سياسة تجفيف المنابع
نقصد بسياسة تجفيف المنابع العمل على حذف كل ما يمت للإسلام بصلة من مناهج الدراسة
والتعليم، وقتل كل محاولة يكون الهدف منها تنشئة الشباب نشأة إسلامية، ومحاربة كل
نشاط بين الشباب والفتيان يكون الهدف والغرض منه، ربطهم بدينهم، واعتزازهم
بإسلامهم.
وإذا كان للتربية والثقافة والتعليم أثر كبير على سلوك المرء فى حياته، وإذا أردت
أن تعرف سلوك الفرد فى حياته فانظر إلى ما يقرأه، فلقد كان هَمُّ الأعداء أن يحولوا
بين شباب هذه الأمة، وبين كل ما يربطهم بالجهاد، أو يجعل منهم فرساناً مجاهدين فى
سبيل الله، ولقد اعتمدت سياسة تجفيف المنابع كوسيلة ليس للقضاء على الجهاد فحسب
وإنما لاستئصال شأفة الإسلام من جذوره، والعمل على أن تنشأ أجيال هذه الأمة وقد
انقطعت كل صلة وكل رابطة تربط بينها وبين الإسلام.
ونظرة متأملة فى مناهج التعليم التى تدرس فى مصر وما مرت به منذ دخول الإنجليز إلى
أرض مصر تثبت لنا صدق هذه الدعوى، فلقد كان التعليم قبل احتلال الإنجليز لمصر
تعليماً دينياً فى جميع مراحل التعليم، وعلى المستوى العام للدولة ككل لا فرق فى
ذلك بين التعليم المدنى، أو التعليم الأزهرى، إلى أن وصل الإنجليز إلى أرض مصر،
فتغير الوضع، فلقد ظهرت المدارس التبشيرية، التى وجد الأعداء فيها فرصتهم الذهبية
لضرب الإسلام وتربية أجيال من هذه الأمة لا تمت للإسلام بصلة، بل تكيد له فى كثير
من الأحايين، ولقد أطلق المستعمر أيدى الغلاة من المبشرين والقساوسة وأضرابهم فى
وضع برامج التعليم لمدارسهم، حتى كانوا يلقنون فيها أطفال المسلمين مبادئ المسيحية
وتعاليمها، ويحفظونهم صلواتهم ونصوص كتبهم الدينية.
وبدلاً من أن يكون التعليم وسيلة لحفظ الإسلام وتعاليمه صار معول هدم لنقض تعاليمه
وهدم أركانه - ومن أبرز ما يمثل هذا ما كتبه ( هـ ز دانتى ) فى كتابه عن مؤتمر
المبشرين المنعقد فى القدس سنة 1935 م يقول فى أول الكتاب "
كان التعليم وسيلة قيمة إلى طبع معرفة تتعلق بالعقيدة المسيحية، والعبادة المسيحية
فى نفوس الطلاب ".
ويقول المبشر جون موط: " إن الأثر المفسد للإسلام يبدأ باكراً جداً ومن أجل ذلك
يجب حمل الأطفال الصغار إلى المسيح قبل بلوغهم سن الرشد، وقبل أن تأخذ طبائعهم
أشكالها الإسلامية ".
وأخطر ما فى المسألة أن هؤلاء الأطفال هم خاصة المسلمين وخلاصتهم من ناحية الأسر
والبيوتات، التى ينتمون إليها ومن ناحية الثقافة التى يحصلون عليها ومن ناحية
المستقبل الذى ينتظرهم فى قيادة أمتهم -تبعاً لذلك- فكرياً وسياسياً واجتماعياً.
أما المدارس الوطنية، التى تضم عامة أبناء الأمة ممن يقدرون على التعليم، فقد سارع
الاحتلال بالسيطرة عليها، عن طريق رجاله وعملائه، الذين تولوا وضع المناهج الجديدة،
والسهر على تنفيذها، وخدمة أغراضها القريبة والبعيدة، مثل القس الإنجليزى " دنلوب
" الذى رسم سياسة التعليم فى مصر، ونفذها هو وتلاميذه من بعده، ولا تزال لها آثار
وذيول سيئة تطبع بعض جوانب التعليم المصرى، ومقلديه فى الوطن العربى.!
وكان من دأب الاحتلال الدائب أن يبدأ بتطويق التعليم الدينى، وحصاره والعمل على
سحب جمهوره منه، إلى وجهة ما يسمى بالتعليم المدنى.
ثم يكر على مناهج الدين والتاريخ الإسلامى بالذات فى هذه المدارس، فيعرضهما عرضاً
منفراً مغرضاً، ويجعلهما على هامش المنهج الدراسى، مما يغرس فى نفوس الأطفال
والتلاميذ عامة عدم الاهتمام بهما، ويطبعهم على الاعتقاد بعدم جدواهما دراسي


















