من معجزات الجهاد
كتبهافرسان الاسلام ، في 19 أبريل 2007 الساعة: 16:33 م
من معجزات الجهاد
قد يتبادر إلى الذهن سؤال: ماذا يحدث لو لم يرفع المؤمنون الأول راية الجهاد فى
سبيل الله تعالى واكتفوا بإيمان أنفسهم، وبدلاً من يحملوا أنفسهم متاعب الحرب
والقتال ومشاق السفر والانتقال خارج ديارهم مجاهدين محاربين بدلاً من ذلك اعتكفوا
فى مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو المسجد الحرام عباداً نساكاً لله تعالى.
ماذا يحدث لو صنع المسلمون ذلك؟ لو حدث هذا ما بقى إسلام إلى يومنا هذا فإن المحن
والفتن التى تعرض لها المسلمون كانت كفيلة بالقضاء عليهم قضاءً مبرماً لو لم يكونوا
أمة مجاهدة، فبعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ارتدت معظم القبائل فى
جزيرة العرب عن الإسلام وتمردت على دولة الخلافة وما ردهم إلى حظيرة الإسلام سوى
سيوف المسلمين.
وكانت هناك القوى العظمى فى هذا العصر ممثلة فى دولتى الفرس والروم تتحين الفرصة
للقضاء على الإسلام وأهله، وتتربص بالمسلمين الدوائر، فباغتهم المسلمون قبل أن
يباغتوهم أو حتى يفكروا فى قتالهم أو التوجه نحوهم.
لقد استطاع الإسلام أن يحول نفوس المسلمين إلى مثالية خارقة فى البذل والتضحية
والفداء، مما سهل على قادة المسلمين تعبئة قوى الأمة جميعهاً من أجل تحقيق فكرة
الجهاد فى سبيل الله وتوطيد أركان الدولة الإسلامية.
ثم لم يلبث العالم المتمدن أن يرى من هذه المواد الخام المبعثرة التى استهانت
بقيمتها الأمم المعاصرة وسخرت منها كتلة لم يشاهد التاريخ البشرى أحسن منها كأنها
حلقة مفرغة لا يعرف طرفها أو كالمطر لا يُدرى أأوله خير أم آخره، كتلة فيها الكفاية
التامة فى كل ناحية من نواحى الإنسانية، كتلة هى فى غنى عن العالم وليس العالم فى
غنى عنها، وضعت مدنيتها وأسست حكومتها وليس لها عهد بها فلم تضطر إلى أن تستعير
رجلاً من أمة أو تستعين فى إدارتها بحكومة، أسست حكومة تمد رواقها على رقعة متسعة
من قارتين عظيمتين، وملأت كل ثغر وسدت كل عوز برجل يجمع بين الكفاية والديانة
والقوة والأمانة، تأسست هذه الحكومة المتشعبة الأطراف فأنجدتها هذه الأمة الوليدة
التى لم يمض عليها إلا بعض العقود - كله جهاد ودفاع ومقاومة وكفاح - برجل من الرجال
الأكفاء، فكان منها الأمير العادل والخازن الأمين والقاضى المقسط، والقائد العابد
والوالى المتورع والجندى التقى، وكانت بفضل التربية الدينية التى لا تزال مستمرة،
وبفضل الدعوة الإسلامية التى لا تزال سائرة، مادة لا تنقطع ومعيناً لا ينضب، لا
تزال تسند الحكومة برجال يرجحون جانب الهداية على جانب الجباية، ولا يزالون يجمعون
بين الصلاح والكفاية، وهنا ظهرت المدنية الإسلامية بظهرها الصحيح، وتجلت الحياة
الدينية بخصائصها التى لم تتوفر لعهد من عهود التاريخ البشرى.
لقد وضع محمد - صلى الله عليه وسلم - مفتاح النبوة على قفل الطبيعة البشرية فانفتح
على ما فيها من كنوز وعجائب وقوى ومواهب، أصاب الجاهلية فى مقتلها وصميمها، فأصمى
رميته، وأرغم العالم العنيد بحول الله على أن ينحو نحواً جديداً ويفتتح عهداً
سعيداً، ذلك هو العهد الإسلامى الذى لا يزال غرة فى جبين التاريخ.
ولقد خاضت جيوش المسلمين معارك عديدة ما زالت حتى يومنا هذا تعد على رأس قائمة
المعجزات الحربية فى التاريخ. خاضت معركة العراق وفارس وهدمت عرش كسرى. رمز
الاستعباد والظلم والطغيان فى الشرق. هدمه المؤمنون الحفاة العراة الفقراء، وسلاحهم
الأول " الله أكبر ". وخاضت جيوش المسلمين معركة بلاد الشام ضد إمبراطورية الروم.
وغلبت الفئة القليلة مئات الألوف من جيوش الأعداء العريقين فى الجندية. وانتصر
المؤمنون الحفاة الفقراء على جيوش الروم الذين كانت تساندهم الإمبراطورية العظيمة،
رمز الاستعباد والظلم والطغيان فى الغرب. وخاض المسلمون معركة بيت المقدس، وانتصروا
لأنهم كانوا ينفذون أستراتيجية السماء:
{سبحان الذى أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا
حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير} [الإسراء: 1].
آية واحدة من آيات الله لا تزيد كلماتها على إحدى وعشرين كلمة، أدت إلى نتائج
خارقة تدل على عظمة القرآن وإعجازه، وتثبت أنه من صنع الله وليس من صنع بشر. فقد
ربطت هذه الآية بين بيت المقدس وقلوب ملايين المسلمين، ودفعتهم إلى أن يخوضوا فى
سبيله معارك حاسمة بدأت من أيام عمر واستمرت عبر التاريخ. وهى اليوم فى أوج أوارها.
فالمسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين، ومكان الإسراء والمعراج، جزء لا
يتجزأ من أستراتيجية السماء، ولا بد من بقائه بيد المسلمين. ولا يضره أن يكون
المسلمون اليوم فى دور ضعف وانحلال فسيأتى اليوم الذى يصبح فيه المسلمون مسلمين
حقاً، جديرين بتحقيق إرادة الله واسترداد فلسطين من أيدى الطغاة المجرمين:-
وإذا عدنا إلى جيوش المسلمين المجاهدين، نجدها قد خاضت معركة مصر وحررتها من
عبودية الروم وطغيانهم. وأنقذت البطريرك القبطى بنيامين من تشرده الذى دام ثلاث
عشرة سنة، قضاها مستخفياً فى الصحارى، هرباً من طغيان الروم، وأعادته إلى
الإسكندرية معززاً مكرماً.
ثم اتجهت الجيوش الظافرة غرباً، وحررت برقة واشتبكت مع جيوش الروم فى حرب دامت
حوالى خمسين عاماً، استطاع جنود المسلمين خلالها أن يحرروا الشمال الأفريقى بأسره،
ثم يقتحموا شبه جزيرة أيبريا ( الأندلس ) ويفتحوها. ثم يزحفوا شمالاً ويتوغلوا فى
داخل فرنسا. هذا فى الجهة الغربية أما فى الجهة الشرقية، فقد فتحت جيوش المسلمين
بعد العراق وفارس أرمينيا وآذربيجان وسجستان وكابل وخراسان والسند، ولم تمض ثمانون
عاماً منذ بدء الجهاد فى سبيل الله، حتى كان المسلمون يرفعون راية الإسلام على رقعة
تمتد من السند وبحر الهند شرقاً، إلى بحر الظلمات غرباً. أى على البلاد التى تشكل
العالم القديم فى آسيا وأفريقيا وجزء من أوروبا.
فتح المسلمون هذا العالم حين كانوا يجاهدون فى سبيل الله لإعلاء كلمة الله منفذين
استراتيجية السماء، بتكتيك حربى ما زال إلى يومنا هذا يحتل قمة الفن العسكرى،
والأسماء الإسلامية الخالدة: خالد، شرحبيل، أبو عبيدة، عمرو، اليرموك، خطة المروحة،
اختراق بادية الشام، القادسية، نهاوند، سعد بن أبى وقاص، القعقاع، أيام ارماث أغواث
عماث، محمد بن القاسم، قتيبة عقبة، طارق، موسى بن نصير، حطين، نور الدين، صلاح
الدين، المنصورة نجم الدين، شجرة الدر، بيبرس، قطز، عين جالوت، القسطنطينية،
اقترنت كلها بالمعجزات التى حققها الجهاد الإسلامى حين كان مقروناً بجهاد النفس
-الجهاد الأكبر- ولم يكتب النصر للمسلمين فى معركة من معاركهم العديدة، إلا حينما
كانوا يتحلون بالصفات الإسلامية والأخلاق التى ورثوها عن الرسول -صلى الله عليه
وسلم- وما خسر المسلمون معركة إلا كانوا فيها على غير أخلاق الإسلام التى علمهم
إياها رسول الإسلام -صلى الله عليه وسلم:-
وخير مثل على انتصار المسلمين بالأخلاق الإسلامية ومجاهدة النفوس والتغلب على
أطماعها، ما حدث فى معركة اليرموك حين قدم خالد بن الوليد الشام مدداً لجيوش
المسلمين التى كانت مشتبكة مع الروم على ضفة اليرموك. ويومها وجدهم يقاتلون الروم
مفرقين، كل أمير على جيش. أبو عبيدة على جيش، ويزيد بن أبى سفيان على جيش، وشرحبيل
بن حسنة عَلَى جيش، وعمرو بن العاص على جيش. فخطب فيهم خالد قائلاً:
" إن هذا اليوم من أيام الله لا ينبغى فيه الفخر ولا البغى فأخلصوا لله جهادكم ،
وتوجهوا لله تعالى بعملكم، فإن هذا اليوم له ما بعده. فلا تقاتلوا قوماً على نظم
وتعبئة ، وأنتم على تساند وانتشار ، فإن ذلك لا يحل ولا ينبغى، وإن من ورائكم لو
يعلم عملكم حال بينكم وبين هذا، فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذى سترون أنه هو
الرأى من واليكم، قالوا: فما الرأى؟ قال: إن الذى أنتم عليه أشد على المسلمين مما
غشيهم وأنفع للمشركين من إمدادهم، ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم ، والله فهلموا
فلتتعاورون الإمارة، فليكن علينا بعضنا اليوم وبعضنا غداً والآخر بعد غد حتى يتأمر
كلكم ودعونى اليوم عليكم. قالوا: نعم فأمروه وكان الفتح على يد خالد يومئذ ( ).
فلو لم تكن نفوس أولئك القادة الأبطال مؤمنة صادقة فى إيمانها، مروضة على الإيثار
والتضحية ونكران الذات، لما وافقوا خالداً على توحيد القيادة، ولأصر كل واحد منهم
على أن يكون هو القائد العام للمعركة، ولما كسب المسلمون معركة اليرموك التى غيرت
مجرى التاريخ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الجهاد | السمات:الجهاد
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج































