تشريع الجهاد فى سبيل الله
كتبهافرسان الاسلام ، في 19 أبريل 2007 الساعة: 15:52 م
تشريع الجهاد فى الإسلام
إن الجهاد فى سبيل الله قد مر بمراحل متعددة حتى وصل إلى صورته النهائية، التى
فرضها على هذه الأمة لخصها الإمام ابن القيم تلخيصاً جيداً سياق الحديث عن الجهاد
فى الإسلام فى "زاد المعاد"، فى الفصل الذى عقده باسم: "فصل فى ترتيب سياق هديه مع
الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقى الله عز وجل فقال: أول ما أوحى إليه ربه
تبارك وتعالى: أن يقرأ باسم ربه الذى خلق. وذلك أول نبوته. فأمره أن يقرأ فى نفسه
ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ. ثم أنزل عليه: " يأيها المدثر. قم فأنذر " فنبأه بقوله: "
اقرأ "وأرسله بـ " يأيها المدثر " ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين. ثم أنذر قومه.
ثم أنذر من حولهم من العرب ثم أنذر العرب قاطبة ثم. ثم أنذر العالمين. فأقام بضع
عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية، ويؤمر بالكف والصبر والصفح.
ثم أذن له فى الهجرة، وأذن له فى القتال. ثم أمره أن يقاتل من قاتله، ويكف عمن
اعتزله ولم يقاتله. ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله.. ثم كان الكفار
معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام:
أهل صلح وهدنة. وأهل حرب. وأهل ذمة.. فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم، وأن
يوفى لهم به ما استقاموا على العهد؛ فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم
يقاتلهم حتى يعلمهم بنقد العهد. وأمر أن يقاتل من نقض عهده..
ولما نزلت سورة براءة نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها: فأمر أن يقاتل عدوه من أهل
الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا فى الإسلام. وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين
والغلظة عليهم. فجاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان. وأمره
فيها بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم إليهم..
وجعل أهل العهد فى ذلك ثلاثة أقسام: قسماً أمره بقتالهم وهم الذين نقضوا عهده، ولم
يستقيموا له، فحاربهم وظهر عليهم. وقسماً لهم عهد مؤقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه،
فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم. وقسماً لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه؛ أو كان لهم
عهد مطلق، فأمر أن يؤجلهم أربعة أشهر؛ فإذا انسلخت قاتلهم.. فقتل الناقض لعهده؛
وأجل من لا عهد له، أو له عهد مطلق، أربعة أشهر. وأمره أن يتم للموفى بعهده عهده
إلى مدته فأسلم هؤلاء كلهم ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم وضرب على أهل الذمة
الجزية.. فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام: محاربين له وأهل
عهد، وأهل ذمة.. ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام فصاروا معه قسمين:
محاربين وأهل ذمة. والمحاربون له خائفون منه. فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم
مؤمن به. ومسالم له آمن. وخائف محارب..
وأما سيرته فى المنافقين فإنه أمر أن يقبل منهم علانيتهم؛ ويكل سرائرهم إلى الله؛
وأن يجاهدهم بالعلم والحجة؛ وأمر أن يعرض عنهم ويغلظ عليهم وأن يبلغ بالقول البليغ
إلى نفوسهم؛ ونهى أن يصلى عليهم، وأن يقوم على قبورهم، وأخبر أنه إن استغفر لهم
فلن يغفر الله لهم.. فهذه سيرته فى أعدائه من الكفار والمنافقين
هذا هو تلخيص ابن القيم لتشريع الجهاد ومراحله التى مر بها ومن خلال هذا البيان
لابن القيم نرى بأن الجهاد قد مر بعدة مراحل قبل أن يصل إلى حكمه النهائى، وبيانها
كالتالى:
1 - المرحلة الأولى:
مرحلة الكف عن المشركين والإعراض عنهم والصبر على أذاهم مع الاستمرار فى دعوتهم
إلى دين الحق وبيان دين الإسلام بالأدلة والبراهين، وبيان تفاهة معبودات الجاهلية
وضلال أهلها وخسارتهم فى الدنيا والآخرة.
ولقد نهى صلى الله عليه وسلم أصحابه عن قتال أهل مكة فى هذه الفترة فقال لمن قال
له: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي عِزٍّ وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ فَلَمَّا
آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً فَقَالَ إِنِّي أُمِرْتُ بِالْعَفْوِ فَلَا تُقَاتِلُوا
فَلَمَّا حَوَّلَنَا اللَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَنَا بِالْقِتَالِ فَكَفُّوا
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ
كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ )
وقد ذكر الله هذا النهى فى القرآن فقال تعالى:{ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا
أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون
الناس كخشية الله أو أشد خشية قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون
فتيلاً}[النساء: 77].
وقال صلى الله عليه وسلم - لما استأذنه أهل يثرب أن يميلوا على أهل منى فيقتلوهم
-إنى لم أؤمر بهذا.
قال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى{قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام
الله}[الجاثية: 14]. أى يصفحوا عنهم ويحملوا الأذى منهم، وكان هذا فى ابتداء
الإسلام أمروا أن يصبروا على أذى المشركين وأهل الكتاب ليكون فى ذلك تأليف قلوبهم،
ثم لما أصروا على العناد شرع الله للمؤمنين الجلاد والجهاد .
وقال ابن حجر: فأول ما شرع الجهاد بعد الهجرة النبوية إلى المدينة اتفاقاً.
أما لماذا لم يؤمر بقتال فى مكة وأمر المسلمون بكف الأيدى فذلك راجع لأسباب عدة
ذكرها صاحب تفسير الظلال عند تفسير قوله تعالى{ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا
أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة…} ونحن نذكر هذه الأسباب لما فيها من الفائدة
فى بيان مراحل تشريع الجهاد حيث يقول رحمه الله:
إنها أسباب اجتهادية تخطىء وتصيب، وتنقص وتزيد، ولا نبغى بها إلا مجرّد تدبّر
أحكام الله وفق ما تظهره لنا الأحداث فى مجرى الزمان.
تربية وإعداد:
ربما كان ذلك لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد، فى فترة معينة، لقوم
معينين، وسط ظروف معينة. ومن أهداف التربية والإعداد فى مثل هذه البيئة بالذات،
تربية نفس الفرد العربى على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة، من الضيم على شخصه، أو
على من يلوذون به. ليخلص من شخصه، ويتجرد من ذاته، ولا تعود ذاته ولا من يلوذون به
محور الحياة فى نظره، ودافع الحركة فى حياته. وتربيته كذلك على ضبط أعصابه، فلا
يندفع لأول مؤثر - كما هى طبيعته - ولا يهتاج لأول مهيج، ليتم الاعتدال فى طبيعته
وحركته وتربيته، على أن يتبع مجتمعاً منظماً له قيادة يرجع إليها فى كل أمر من أمور
حياته، ولا يتصرف إلا وفق ما تأمره به - مهما يكن مخالفاً لمألوف عادته - وقد كان
هذا هو حجر الأساس فى إعداد شخصية العربى، لإنشاء المجتمع المسلم الخاضع لقيادة
موجهة، المترقى المتحضر، غير الهمجى أو القبلى!
مسالمة وصبر:
وربما كان ذلك أيضاً، لأن الدعوة السلمية كانت أشد أثرأ وأنفد، فى مثل بيئة قريش
ذات الهنجعية والشرف؛ والتى قد يدفعها القتال معها - فى مثل هذه المرحلة - إلى
زيادة العناد، وإلى نشأة ثارات دموية جديدة، كثارات العرب المعروفة، التى أثارت حرب
داحس والغبراء، وحرب البسوس، أعواماً طويلة، تفانت فيها قبائل برمتها. وتكون هذه
الثارات الجديدة مرتبطة فى أذهانهم وذكرياتهم بالإسلام. فلا تهدأ بعد ذلك أبداً.
ويتحول الإسلام من دعوة إلى ثارات وذحول تنسى معها وجهته الأساسية، وهو فى مبدئه
فلا تذكر أبداً!
تأليف ووقاية:
وربما كان ذلك أيضاً، اجتناباً لإنشاء معركة ومقتلة فى داخل كل بيت فلم تكن هناك
سلطة نظامية عامة، هى التى تعذب المؤمنين وتفتنهم. إنما كان ذلك موكولاً إلى أولياء
كل فرد، يعذبونه ويفتنونه " ويؤدبونه! " ومعنى الإذن بالقتال - فى مثل هذه البيئة -
أن تقع معركة ومقتلة فى كل بيت.. ثم يقال للناس هذا هو الإسلام! ولقد قيلت حتى
والإسلام يأمر بالكف عن القتال! فقد كانت دعاية قريش فى الموسم، وفى أوساط العرب
القادمين للحج والتجارة، إن محمداً يفرق بين الوالد وولده، فوق تفريقه لقومه
وعشيرته! فكيف لو كان كذلك يأمر الولد بقتل الوالد، والمولى بقتل الولى.. فى كل بيت
وفى كل محلة.
كسب للأنصار:
وربما كان ذلك أيضاً لما يعلمه الله من أن كثيراً من المعاندين الذين يفتنون أوائل
المسلمين عن دينهم ويؤذونهم ويعذبونهم، هم بأنفسهم سيكونون من جند الإسلام المخلص،
بل من قادته.. ألم يكن عمر بن الخطاب من بين هؤلاء؟!
كسب للعطف:
وربما كان ذلك أيضاً، لأن النخوة العربية، فى بيئة قبلية، من عادتها أن تثور
للمظلوم، الذى يحتمل الأذى، ولا يتراجع! وبخاصة إذا كان الأذى واقعاً على كرام
الناس فيهم.. وقد وقعت ظواهر كثيرة تثبت صحة هذه النظرة - فى هذه البيئة - فابن
الدغنة لم يرض أن يترك أبا بكر - وهو رجل كريم - يهاجر ويخرج من مكة، ورأى ذلك
عاراً على العرب! وعرض عليه جواره وحمايته.. وآخر هذه الظواهر نقض صحيفة الحصار
لبنى هاشم فى شعب أبى طالب، بعد ما طال عليهم الجوع، واشتدت المحنة.. بينما فى بيئة
أخرى من بيئات الحضارات القديمة التى مردت على الذل، قد يكون السكوت على الأذى
مدعاة للهزء والاحتقار من البيئة، وتعظيم المؤذى الظالم المعتدى!
الحفاظ على الجماعة:
وربما كان ذلك، أيضاً، لقلة عدد المسلمين حينذاك، وانحصارهم فى مكة حيث لم تبلغ
الدعوة إلى بقية جزيرة العرب، أو بلغت أخبارها متناثرة، حيث كانت القبائل تقف عل
الحياد من معركة داخلية بين قريش وبعض أبنائها، حتى ترى ماذا يكون مصير الموقف. ففى
مثل هذه الحالة قد تنتهى المعركة المحدودة، إلى قتل الجماعة المسلمة القليلة - حتى
لو قتلوا هم أضعاف من سيقتل منهم - ويبقى الشرك، وتنمحى الجماعة المسلمة، ولم يقم
فى الأرض للإسلام نظام، ولا وجد له كيان واقعى.. وهو دين جاء ليكون منهاج حياة.
وليكون نظاماً واقعياً عملياً للحياة.
الدعوة مستمرة:
فى الوقت ذاته لم يكن هناك ضرورة ملحة لتجاوز هذه الاعتبارات كلها والأمر بالقتال
ودفع الأذى لأن الأمر الأساسى هو وجود الدعوة. وجودها فى شخص الداعية - صلى الله
عليه وسلم - وشخصه فى حماية سيوف بنى هاشم فلا تمتد إليه إلا وهى مهددة بالقطع،
والنظام القبلى السائد يجعل كل قبيلة تخشى أن تقع فى حرب مع بنى هاشم، إذا امتدت
يدها إلى محمد صلى الله عليه وسلم فكان شخص الداعية من ثم محمياً حماية كافية، وكان
الداعية يبلغ دعوته إذن فى حماية كافية وكان الداعية يبلغ دعوته فى حماية سيوف بنى
هاشم ومقتضيات النظام القبلى ولا يكتمها ولا يخفيها، ولا يجرؤ أحد على منعه من
إبلاغها وإعلانها فى ندوات قريش، فى الكعبة، ومن فوق جبل الصفا، وفى اجتماعات عامة،
ولا يجرؤ أحد على سد فمه، ولا يجرؤ أحد على خطفه وسجنه أو قتله، ولا يجرؤ أحد على
أن يفرض عليه أن يقول كلاماً بعينه، يقوله يعلن فيه بعض حقيقة دينه، ويسكت عن
بعضها، وحين طلبوا إليه أن يكف عن سب آلهتهم وعيبها، لم يكف وحين طلبوا إليه أن
يدهن فيدهنوا، أى يجاملهم فيجاملوه، بأن يتبع بعض تقاليدهم ليتبعوا هم بعض عبادته،
لم يدهن، وعلى الجملة كان للدعوة وجودها الكامل فى شخص رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - محروساً بسيوف بنى هاشم، وفى إبلاغه لدعوة ربه كاملة فى كل مكان، وفى كل
صورة، ومن ثم لم تكن هناك الضرورة القاهرة لاستعجال المعركة، والتغاضى عن كل هذه
الاعتبارات البيئية، التى هى فى مجموعها مساندة للدعوة ومساعدة فى مثل هذه البيئة.
هذه الاعتبارات، كلها فيما نحسب كانت بعض ما اقتضت حكمة الله معه أن يأمر المسلمين
بكف أيديهم، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لتتم تربيتهم وإعدادهم ولينتفع بكل
إمكانات الحطة فى هذه البيئة وليقف المسلمون فى انتظار أمر القيادة فى الوقت
المناسب وليخرجوا أنفسهم من المسألة كلها فلا يكون لذواتهم فيها حظ لتكون خالصة لله
وفى سبيل الله والدعوة لها وجودها وهى قائمة ومؤداة ومحمية ومحروسة.
إيجاد الأرض:
ويضيف الدكتور محمود بابللى إلى هذه الأسباب سبباً آخر فيقول: إنَّ الدعوة لا بد
لها من أرض تأمن فيها على نفسها من عدوان داخلى، وأن تكون لها منطلقاً، وأن يتمكن
الدعاة من العودة إليها والاستقرار فيها، لأن الدعوة إن لم يكن لها مركز تنطلق منه،
لا يتحقق لها الاستقرار، ولا تتمكن من حماية نفسها فيما إذا كانت فى دار يغلب على
أهلها الكفر.
وقد عرفنا من سيرة الرسول حين كان يعرض نفسه على القبائل أيام قدومها إلى
مكة أثناء الحج، أنّه كان يريد أن يجد عند إحداها الأرض والمنعة والعدد والعدة، لأن
الدعوة التى لا يتحقق لها ذلك يصعب عليها أن تنطلق إلى الآفاق لتحقق أمر تبليغها
إلى النَّاس كافة.
وعلى هذا فإنّه من المحتمل أن يكون ربّ العالمين قد أراد كفّ المؤمنين عن القتال
وهم فى مكة أقليّة مستضعفون، حتى تتحقق لها الأرض التى تكون خالصة لهم، فينطلقون
منها وإليها يعودون، وتكون حرزاً وحصناً ومنطلقاً، بالإضافة إلى الأسباب السابقة.
2- المرحلة الثانية:
إباحة القتال من غير فرض.
ومن أدلة هذه المرحلة قوله تعالى:
{إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور أذن للذين يقاتلون
بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن
يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد
يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز}[الحج: 38-40].
قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: ( وقال غير واحد من السلف هذه أول آية نزلت فى
الجهاد، واستدل بهذه الآية بعضهم على أن السورة مدنية وقاله مجاهدوالضحاك وقتادة
وغير واحد.. وإنما شرع الله تعالى الجهاد فى الوقت الأليق به، لأنهم لما كانوا بمكة
كان المشركون أكثر عدداً فلو أمر المسلمين وهم أقل من العشر بقتال الباقين لشق
عليهم ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكانوا
نيفاً وثمانين قالوا يا رسول الله ألا نميل على أهل الوادى -يعنون أهل منى- ليالى
منى فنقتلهم فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إنى لم أؤمر بهذا، فلما بغى
المشركون وأخرجوا النبى -صلى الله عليه وسلم- من بين أظهرهم وهموا بقتله وشردوا
أصحابه شذر مذر فذهب منهم طائفة إلى الحبشة وآخرون إلى المدينة فلما استقروا
بالمدينة ووافاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واجتمعوا عليه وقاموا بنصره وصارت
لهم دار السلام ومعقلاً يلجئون إليه شرع الله جهاد الأعداء فكانت هذه الآية أول ما
نزل فى ذلك).
3- المرحلة الثالثة: فرض القتال على المسلمين لمن يقاتلهم فقط.
ومن أدلة هذه المرحلة قوله تعالى:{.. فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم
السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً. ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوا قومهم كل ما
ردوا إلى الفتنة اركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم
فخذوهم. واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً}[النساء:
90-91].
يقول ابن تيمية عن هذه المرحلة: (.. ولم يؤمروا بقتال من طلب مسالمتهم بل قال فإن
تولوا فخذوهم الآيات وكذلك من هادنهم لم يكونوا مأمورين بقتاله وإن كانت الهدنة عقد
اً جائزاً غير لازم )
ويدل على هذه المرحلة أيضاً سيرة النبى -صلى الله عليه وسلم- يقول ابن تيمية رحمه
الله ( فمن المعلوم من سيرة النبى -صلى الله عليه وسلم- الظاهر علمه عند كل من له
علم بالسيرة أنه -صلى الله عليه وسلم- لما قدم المدينة لم يحارب أحد اً من أهل
المدينة بل وادعهم حتى اليهود خصوصاً بطون الأوس والخزرج فإنه كان يسالمهم ويتألفهم
بكل وجه وكان الناس إذا قدمها على طبقات منهم المؤمن وهم الأكثرون ومنهم الباقى على
دينه وهو متروك لا يحارب ولا يحارب وهو والمؤمنون من قبيلته ولحفائهم أهل سلم لا
أهل حرب حتى حلفاء الأنصار أقرهم النبى -صلى الله عليه وسلم- على حلفهم).
4- المرحلة الرابعة:
قتال جميع الكفار على اختلاف أديانهم وأجناسهم ابتداء ، وإن لم يبدأوا بقتال حتى
يسلموا أو يدفعوا الجزية على خلاف بين العلماء فمن تؤخذ منه الجزية سيأتى تفصيله
وهذه المرحلة بدأت من انقضاء أربعة أشهر من بعد حج العام التاسع من الهجرة ومن بعد
انقضاء العهود المؤقتة مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- والعمل على هذه المرحلة
الأخيرة وعليها استقر حكم الجهاد ومن أدلتها قوله تعالى:
{فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا
لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور
رحيم}[التوبة: 5].
وقوله تعالى:{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم
الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم
صاغرون}[التوبة: 29].
وعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ
سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا
تَمْثُلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا
أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى
الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ
ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ
وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ،
وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا
مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْرِي
عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ
لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ
الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ
أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ
بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ.
وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ
اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ
نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ
أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا
ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ.
وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ
اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى
حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا( ).
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى
يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ،
وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا
مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ
عَلَى اللَّهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الجهاد | السمات:الجهاد
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج































