أهداف الجهاد فى الإسلام
كتبهافرسان الاسلام ، في 19 أبريل 2007 الساعة: 15:50 م
أهداف الجهاد فى الإسلام
إن للجهاد حكماً بليغة، وأهدافاً سامية، لأن الذى شرعه هو العليم الخبير، فما دام
أن الآمر به هو الحكيم العليم سبحانه، فالحكمة والمصلحة ثابتة قطعاً، وتلمس حكمة
الجهاد لا يتوقف القيام به على معرفتها عند المسلم الصادق. فإن مقتضى العبودية أن
ينفذ العبد أمر سيده ومولاه، عرف حكمته أم لم يعرفها، ولكن معرفة الحكمة تقوى
العزائم، وتشحذ الهمم، وتيسر أمر التكاليف على المكلفين، ولنتأمل فى كتاب الله
نتعرف من خلال آياته على الحكم والأهداف التى من أجلها فرض الجهاد فى سبيل الله
تعالى.
كذلك فى جهاد رسول الله ; وفى جهاد صحبه الكرام نستطيع أن نتلمس حكماً
عظيمة وأهدافاً نبيلة ومقاصد سامية سنحاول بيانها فيما يلى:
حينما ننظر نرى بأن الهدف الرئيس من الجهاد هو تعبيد الناس لله وحده، وإخراجهم
من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد، والعمل على إزالة الأنظمة وتحطيم
الطواغيت، التى تعبد الناس لغير الله تعالى، وتحول بين الناس والإسلام.
والأدلة على أن هدف الجهاد الأكبر ( تعبيد الناس لله وحده وإخراجهم من العبودية
للعباد، وإزالة الطواغيت كلها من الأرض، وإخلاء العالم كله من الفساد) أكثر من أن
تحصى، فمن القرآن يقول الله عز وجل:
{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على
الظالمين}[البقرة: 193].
ويقول:{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما
يعملون بصير}[الأنفال: 39].
قال ابن جرير: ( فقاتلوهم حتى لا يكون شرك ولا يعبد إلا الله وحده لا شريك له
فيرتفع البلاء عن عباد الله من الأرض وهو الفتنة ويكون الدين كله لله وحتى تكون
الطاعة والعبادة كلها لله خالصة دون غيره
وقال الشوكانى: ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة فيه الأمر بمقاتلة المشركين إلى غاية
هى ألا تكون فتنة وأن يكون الدين لله وهو الدخول فى الإسلام والخروج عن سائر
الأديان المخالفة له، فمن دخل فى الإسلام وأقلع عن الشرك لم يحل قتاله ).
وعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟
فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً فَرَفَعَ إِلَيْهِ
رَأْسَهُ قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا،
فَقَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ * .
ويقول أيضاً: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ
وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ
وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ .
ويقول " بعثت بين يدى الساعة بالسيف حتى يعبد الله تعالى وحده لا شريك
له وجعل رزقى تحت ظل رمحى، وجعل الذل والصغار على من خالف أمرى " .
وقد كان هذا الهدف حاضراً فى حس الصحابة أثناء جهادهم فى سبيل الله تعالى
وصراعهم مع قوى البغى فى أرجاء الأرض؛ فلقد روى ا البخارى وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ
حَيَّةَ قَالَ فَنَدَبَنَا عُمَرُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْنَا النُّعْمَانَ بنَ
مُقَرِّنٍ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَرْضِ الْعَدُوِّ، وَخَرَجَ عَلَيْنَا عَامِلُ
كِسْرَى فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَقَامَ تَرْجُمَانٌ فَقَالَ: لِيُكَلِّمْنِي
رَجُلٌ مِنْكُمْ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: سَلْ عَمَّا شِئْتَ، قَالَ: مَا أَنْتُمْ؟
قَالَ: نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ: كُنَّا فِي شَقَاءٍ شَدِيدٍ، وَبَلَاءٍ
شَدِيدٍ، نَمَصُّ الْجِلْدَ وَالنَّوَى مِنَ الْجُوعِ، وَنَلْبَسُ الْوَبَرَ
وَالشَّعَرَ، وَنَعْبُدُ الشَّجَرَ وَالْحَجَرَ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ، إِذْ
بَعَثَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرَضِينَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَجَلَّتْ
عَظَمَتُهُ إِلَيْنَا نَبِيًّا مِنْ أَنْفُسِنَا، نَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ،
فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ
نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ، أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ،
وَأَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رِسَالَةِ
رَبِّنَا أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي نَعِيمٍ لَمْ يَرَ
مِثْلَهَا قَطُّ وَمَنْ بَقِيَ مِنَّا مَلَكَ رِقَابَكُمْ، فَقَالَ النُّعْمَانُ:
رُبَّمَا أَشْهَدَكَ اللَّهُ مِثْلَهَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنَدِّمْكَ وَلَمْ يُخْزِكَ، وَلَكِنِّي شَهِدْتُ الْقِتَالَ
مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا لَمْ
يُقَاتِلْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ انْتَظَرَ حَتَّى تَهُبَّ الْأَرْوَاحُ
وَتَحْضُرَ الصَّلَوَاتُ*
وذكر ابن كثير قصة ربعى بن عامر رضى الله عنه لما بعثه سعد بن أبى وقاص إلى رستم
وفيها (… فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابى الحرير وأظهر
اليواقيت واللآلئ الثمينة والزينة العظيمة وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة
وقد جلس على سرير من ذهب ودخل ربعى بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة ولم يزل
راكبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد وأقبل وعليه
سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه فقالوا له: ضع سلاحك فقال: إنى لم آتكم وإنما جئتكم
حين دعوتمونى فإن تركتمونى هكذا وإلا رجعت فقال رستم: ائذنوا له فأقبل يتوكأ على
رمحه فوق النمارق فخرق عامتها فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من
شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى
عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا
عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضى إلى موعود الله. قالوا وما موعود الله؟ قال:
الجنة لمن مات على قتال من أبى والظفر لمن بقى.. ).
وهذا الهدف المتضمن لإعلاء كلمة الله تعالى وجعل كلمة الذين كفروا السفلى هو ما
اتفق عليه فقهاء الأمة ومحدثوها:
يقول الشافعى: ( فدل كتاب الله وسنة نبيه أن فرض الجهاد إنما يقوم به من
فيه كفاية للقيام به حتى يجتمع أمران: أحدهما أن يكون بإزاء العدو المخوف على
المسلمين من يمنعه.
والآخر: أن يجاهد من المسلمين من فى جهاده كفاية حتى يسلم أهل الأوثان أو يعطى أهل
الكتاب الجزية ).
ويقول ابن القيم ( والمقصود من الجهاد إنما هو أن تكون كلمة الله هى العليا ويكون
الدين كله لله.. فإن من كون الدين كله لله إذلال الكفر وأهله وصغاره وضرب الجزية
على رؤوس أهله والرق على رقابهم فهذا من دين الله ولا يناقض هذا إلا ترك الكفار على
دينهم كما يحبون بحيث تكون لهم الشوكة والكلمة ).
ويقول سيد قطب: ( إن بواعث الجهاد فى الإسلام ينبغى تلمسها فى طبيعة الإسلام ذاته
ودوره فى هذه الأرض، وأهدافه العليا التى قررها الله، وذكر الله أنه أرسل من أجلها
هذا الرسول بهذه الرسالة، وجعله خاتم النبيين، وجعلها خاتم الرسالات.. إن هذا الدين
إعلان عام لتحرير الإنسان فى الأرض من العبودية للعباد ومن العبودية لهواه أيضاً
وهى من العبودية للعباد وذلك بإعلان ألوهية الله وحده سبحانه وربوبيته للعالمين..
إن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين معناها الثورة الشاملة على كل حاكمية البشر فى
كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها؛ أو التمرد الكامل على كل وضع فى أرجاء الأرض
الحكم فيه للبشر بصورة من الصور.. أو بتعبير آخر مرادف: الألوهية فيه للبشر فى صورة
من الصور.. ذلك أن الحكم الذى مرد الأمر فيه إلى البشر، ومصدر السلطات فيه هم
البشر، هو تأليه للبشر، يجعل بعضهم أرباباً لبعض من دون الله.. إن هذا الإعلان
معناه: انتزاع سلطان الله المغتصب ورده إلى الله؛ وطرد المغتصبين له؛ الذين يحكمون
الناس بشرائع من عند أنفسهم فيقومون منهم مقام الأرباب، ويقوم الناس منهم مقام
العبيد.. إن معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله فى الأرض.. أو بالتعبير
القرآنى الكريم:
{وهو الذى فى السماء إله وفى الأرض إله}[الزخرف: 84].
{إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم}[يوسف: 40].
{قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: ألا نعبد إلا الله ولا نشرك
به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا
مسلمون}[آل عمران: 64].
وقيام مملكة الله فى الأرض، وإزالة مملكة البشر وانتزاع السلطان من أيدى مغتصبيه
من العباد، ورده إلى الله وحده. وسيادة الشريعة الإلهية وحدها وإلغاء القوانين
البشرية..كل أولئك لا يتم بمجرد التبليغ والبيان. لأن المتسلطين على رقاب العباد،
المغتصبين لسلطان الله فى الأرض، لا يسلمون سلطانهم بمجرد التبليغ والبيان، وإلا
فما أيسر عمل الرسل فى إقرار دين الله فى الأرض! وهذا عكس ما عرفه تاريخ الرسل
-صلوات الله وسلامه عليهم- وتاريخ هذا الدين على ممر الأجيال!
إن هذا الإعلان العام لتحرير الإنسان فى الأرض من كل سلطان غير سلطان الله، بإعلان
ألوهية الله وحده وربوبيته للعالمين، لم يكن إعلاناً فلسفياً سلبياً.. إنما كان
إعلاناً حركياً واقعياً إيجابياً.. إعلاناً يراد له التحقيق العملى فى صورة نظام
يحكم البشر بشريعة الله، ويخرجهم بالفعل من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده
بلا شريك.. ومن ثم لم يكن بد من أن يتخذ شكل الحركة إلى جانب شكل البيان.. ليواجه
الواقع البشرى بكل جوانبه بوسائل مكافئة لكل جوانبه.
وإذا كان البيان يواجه العقائد والتصورات، فإن الحركة تواجه العقبات المادية
الأخرى وفى مقدمتها السلطان السياسى القائم على العوامل الاعتقادية التصورية،
والعنصرية والطبقية، والاجتماعية والاقتصادية المعقدة المتشابكة.. وهما مع البيان
والحركة يواجهان الواقع البشرى بجملته، بوسائل مكافئة لكل مكوناته.. وهما معاً لا
بد منهما لانطلاق حركة التحرير للإنسان فى الأرض الإنسان كله فى الأرض كلها.. وهذه
نقطة هامة لا بد من تقريرها مرة أخرى!
إن هذا الدين ليس إعلاناً لتحرير الإنسان العربى وحده! وليس رسالة خاصة بالعرب!..
إن موضوعه الإنسان نوع الإنسان ومجاله هو الأرض كل الأرض. إن الله -سبحانه- ليس
رباً للعرب وحدهم ولا حتى لمن يعتنقون العقيدة الإسلامية وحدهم.. إن الله هو رب
العالمين.. وهذا الدين يريد أن يرد العالمين إلى ربهم، وأن ينتزعهم من العبودية
لغيره. والعبودية الكبرى -فى نظر الإسلام- هى خضوع البشر لأحكام يشرعها لهم ناس من
البشر.. وهذه هى العبادة التى يقرر أنها لا تكون إلا لله. وأن من يتوجه بها لغير
الله يخرج من دين الله مهما ادعى أنه فى هذا الدين. ولقد نص رسول الله  على
أن الاتباع فى الشريعة والحكم هو العبادة التى صار بها اليهود والنصارى مشركين
مخالفين لما أمروا به من عبادة الله وحده.
وعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ
هَذَا الْوَثَنَ وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ ( اتَّخَذُوا
أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ) قَالَ أَمَا
إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا
لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ *
وتفسير النبى لقول الله سبحانه، نص قاطع على أن الاتباع فى الشريعة
والحكم هو العبادة التى تخرج من الدين، وأنها هى اتخاذ بعض الناس أرباباً لبعض..
الأمر الذى جاء هذا الدين ليلغيه، ويعلن تحرير الإنسان فى الأرض من العبودية لغير
الله ومن ثم لم يكن بد للإسلام أن ينطلق فى الأرض لإزالة الواقع المخالف لذلك
الإعلان العام.. بالبيان وبالحركة مجتمعين.. وأن يوجه الضربات للقوى السياسية التى
تعبد الناس لغير الله أو تحكمهم بغير شريعة الله وسلطانه والتى تحول بينهم وبين
الاستماع إلى البيان واعتناق العقيدة بحرية لا يتعرض لها السلطان. ثم لكى يقيم
نظاماً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً يسمح لحركة التحرر بالانطلاق بعد إزالة القوة
المسيطرة سواء كانت سياسية بحتة أو متلبسة بالعنصرية أو الطبقية داخل العنصر
الواحد.
وبهذا نستطيع أن نواجه حقيقة بواعث الانطلاق الإسلامى فى الأرض بالجهاد ونواجه
طبيعة الإسلام ذاتها، وهى أنه إعلان عام لتحرير الإنسان من العبودية للعباد، وتقرير
ألوهية الله وحده وربوبيته للعالمين؛ وتحطيم مملكة الهوى البشرى فى الأرض، وإقامة
مملكة الشريعة الإلهية فى عالم الإنسان.
إنها مبررات تقرير ألوهية الله فى الأرض؛ وتحقيق منهجه فى حياة الناس، ومطاردة
الشياطين ومناهج الشياطين؛ وتحطيم سلطان البشر الذى يتعبد الناس، والناس عبيد الله
وحده لا يجوز أن يحكمهم أحد من عباده بسلطان من عند نفسه وبشريعة من هواه ورأيه!
إنها مبررات التحرير العام للإنسان فى الأرض. بإخراج الناس من العبودية للعباد إلى
العبودية لله وحده بلا شريك وهذه وحدها تكفى.. ولقد كانت هذه المبررات ماثلة فى
نفوس الغزاة من المسلمين فلم يُسْأَلْ أحد منهم عما أخرجه للجهاد فيقول: خرجنا
ندافع عن وطننا المهدد! أو خرجنا نصد عدوان الفرس أو الروم علينا نحن المسلمين! أو
خرجنا نوسع رقعتنا ونستكثر من الغنيمة!
لقد كانوا يقولون كما قال ربعى بن عامر، وحذيفة بن محصن، والمغيرة بن شعبة، جميعاً
لرستم قائد جيش الفرس فى القادسية، وهو يسألهم واحداً بعد واحد فى ثلاثة أيام
متوالية، قبل المعركة: ما الذى جاء بكم؟ فيكون الجواب: إن الله ابتعثنا لنخرج من
شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. ومن ضيق الدنيا إلى سعتها. ومن جور
الأديان إلى عدل الإسلام..فأرسل رسوله بدينه إلى خلقه، فمن قبله منا قبلنا منه
ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه. ومن أبى قاتلناه حتى نفضى إلى الجنة أو الظفر )
ويقول أبو الأعلى المودودى: إن دعوة الإسلام إلى التوحيد وعبادة الله الواحد لم
تكن قضية كلامية أو عقيدة لاهوتية فحسب شأن غيره من النحل والملل بل الأمر أنها
كانت دعوة إلى انقلاب اجتماعى أردت أول ما أرادت أن تقطع دابر الذين تسنموا ذروة
الألوهية واستعبدوا الناس بحيلهم ومكايدهم المختلفة فمنهم من تبوأ مناصب السدنة
والكهان ومنهم من استأثر بالملك والإمرة وتحكم فى رقاب الناس ومنهم من استبد بمنابع
الثروة وخيرات الأرض وجعل الناس عالة عليه يتكففون ولا يجدون ما يتبلغون به، فأرادت
دعوة الإسلام أن تقطع دابرهم جميعاً وتستأصل شأفتهم استئصالاً، وهؤلاء تارة تسنموا
قمة الألوهية جهراً وعلانية وأرادوا أن يقهروا من حولهم من الناس على أن يذعنوا
لأمرهم وينقادوا لجبروتهم مستندين إلى حقوقهم التى ورثوها عن آبائهم أو استأثرت بها
الطبقة التى ينتمون إليها فقالوا:{ما علمت لكم من إله غيرى}[القصص: 38] و{أنا ربكم
الأعلى}[النازعات: 24] و{أنا أحيى وأميت}[البقرة: 258] و{من أشد منا قوة}[فصلت: 15]
إلى غيرها من كلمات الاستكبار ودعاوى الألوهية التى تفوهوا بها وتجاسروا عليها
بغياً وعدواناً.
وطوراً استغلوا جهل الدهماء، وسفههم، فاتخذوا من الأصنام والتماثيل والهياكل آلهة،
يدعون الناس ويريدونهم على أداء مظاهر العبودية أمام هذه التماثيل والهياكل،
متوارين بأنفسهم من ورائها يلعبون بعقول الناس ويستعبدونهم لأغراضهم وشهواتهم وهم
لا يشعرون فيتبين من ذلك أن دعوة الإسلام إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله الواحد
الأحد وتنديده بالكفر والشرك بالله واجتناب الأوثان والطواغيت كل ذلك يتنافى
ويتعارض مع الحكومة والعاملين عليها المتصرفين فى أمورها والذين يجدون فيها سنداً
لهم وعوناً على قضاء حاجاتهم وأغراضهم ومن ثم ترى أنه كلما قام نبى من الأنبياء
يجاهر الناس بالدعوة إلى الله وخاطبهم قائلاً:{يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله
غيره}[الأعراف: 59] قامت فى وجهه الحكومات المتمكنة فى عصره، وثار عليه جميع من
كانوا يستغلون خيرات البلاد ويستثمرونها ظلماً وعدواناً، خرجت تقاومه وتضع فى سبيل
ذلك العقبات، وذلك أن هذه الدعوة لم تكن مجرد بيان لعقيدة كلامية، أو شرح لمسألة من
مسائل الإلهيات. وإنما كانت نداءً لانقلاب اجتماعى عالمى، ما كانت بوادره لتخفى على
المستأثرين بمناصب العز والجاه، المستبدين بمنابع الثراء، ممن يشمون رائحة الاضطراب
السياسى قبل حدوثه بأعوام.
إن الإسلام ليس مجرد مجموعة من العقيدة الكلامية وجملة من المناسك والشعائر كما
يُفْهَم من معنى الدين فى هذه الأيام بل الحق أنه نظام شامل يريد أن يقضى على سائر
النظم الباطلة الجائرة الجارية فى العالم ويقطع دابره ويستبدل بها نظاماً صالحاً
ومنهاجاً معتدلاً يرى أنه خير للإنسانية من النظم الأخرى، وأن فيه نجاة للجنس
البشرى من أدواء الشر والطغيان وسعادة له وفلاحاً فى العاجلة والآجلة معاً ودعوته
فى هذا السبيل سبيل الإصلاح والتجديد والهدم والبناء عامة للجنس البشرى كافة لا
تختص بأمة دون أمة أو طائفة دون طائفة فهو يدعو بنى آدم جميعاً إلى كلمته حتى يهيب
بالطبقات الجائرة نفسها ممن اعتدوا حدود الله فى أرضه واستأثروا بخيرات الأرض دون
سائر الناس يهيب بالملوك والأمراء أنفسهم ويناديهم قائلاً لا تطغوا فى الأرض
وادخلوا فى كنف حدود الله التى حدها لكم وكفوا أيديكم عما نهاكم الله عنه وحذركم
إياه، فإن أسلمتم لأمر الله ودنتم لنظام الحق والعدل الذى أقامه للناس خيراً وبركة
فلكم الأمن والدعة والسلامة فإن الحق لا يعادى أحد اً وإنما يعادى الحق الجور
والفساد والفحشاء وإن يتعدى الإنسان حدوده الفطرية ويبتغى ما وراء ذلك مما لاحظ له
فيه حسب سنن الكون وفطرة الله التى فطر الناس عليها فكل من آمن بهذه الدعوة وتقبلها
بقبول حسن يصير عضواً فى الجماعة الإسلامية أو الحزب الإسلامى لا فرق فى ذلك بين
الأحمر منهم والأسود أو بين الغنى منهم والفقير كلهم سواسية كأسنان المشط لا فضل
لأمة على أمة أو لطبقة على أخرى وبذلك يتكون ذلك الحزب العالمى أو الأممى الذى سمى
حزب الله بلسان الوحى وما أن يتكون هذا الحزب حتى يبدأ بالجهاد فى سبيل الغاية التى
أنشئ لأجلها فمن طبيعته وما يستدعيه وجوده ان لا يألوا جهداً فى القضاء على نظام
الحكم التى أسس بنيانها على غير قواعد الإسلام واستئصال شأفتها وأن يستنفذ مجهوده
فى أن يستبدل بها نظاماً للعمران والاجتماع معتدلاً مؤسساً على قواعد ذلك القانون
الوسط العدل الذى يسميه القرآن الكريم " كلمة الله " فإن لم يبذل هذا الحزب الجهد
المستطاع ولم يسع سعيه وراء تغيير نظم الحكم وإقامة نظام الحق المؤسس على قواعد
الإسلام ولم يجاهد حق جهاده فى هذه السبيل فأتته غايته وقصر عن تحقيق البغية التى
أنشئ لأجلها فإنه ما أنشئ إلا لإدراك هذه الغاية وتحقيق هذه البغية بغية إقامة نظام
الحق والعدل ولا غاية له ولا عمل إلا الجهاد.{كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون
بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}[آل عمران: 110].
ولا يظن أحد أن هذا الحزب " حزب الله بلسان الوحى " مجرد جماعة من الوعاظ المبشرين
يعظون الناس فى المساجد ويدعونهم إلى مذاهبهم ومسالكهم بالخطب والمقالات ليس إلا..
ليس الأمر كذلك وإنما هو حزب أنشأه الله ليحمل لواء الحق والعدل بيده ويكون شهيداً
على الناس ومن مهمته التى ألقيت على كاهله من أول يوم أن يقضى على منابع الشر
والعدوان ويقطع دابر الجور والفساد فى الأرض والاستغلال الممقوت وإن يكبح جماح
الآلهة الكاذبة الذين تكبروا فى أرض الله بغير الحق وجعلوا أنفسهم أرباباً من دون
الله ويستأصل شأفة ألوهيتهم ويقيم نظاماً للحكم والعمران صالحاً يتفيأ ظلاله القاصى
والدانى والغنى والفقير، وإلى هذا المعنى أشار الله تعالى فى غير واحدة من آى الذكر
الحكيم.
{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله}[الأنفال: 39].
{إلا تفعلوا تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير}[الأنفال: 73].
{هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره
المشركون}[التوبة: 33].
فتبين من كل ذلك أن هذا الحزب لا بد له من امتلاك ناصية الأمر، ولا مندوحة له من
القبض على زمام الحكم، لأن نظام العمران الفاسد لا يقوم إلا على أساس حكومة مؤسسة
على قواعد العدوان والفساد فى الأرض، وكذلك ليس من الممكن أن يقوم نظام للحكم صالح
ويؤتى أكله إلا بعد ما ينتزع زمام الأمر من أيدى الطغاة المفسدين ويأخذه بأيديهم
رجال يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يريدون علواً فى الأرض ولا فساداً، وأضف إلى
ذلك أن هذا الحزب بصرف النظر عما يرمى إليه من إصلاح العالم وبث الخير والفضيلة فى
أنحاء الأرض كافة لا يقدر أن يبقى ثابتاً على خطته متمسكاً بمنهاجه عاملاً وفق
مقتضياته ما دام نظام الحكم قائماً على أساس آخر سائراً على منهاج غير منهاجه وذلك
أن حزباً مؤمناً بمبدأ ونظام للحياة والحكم خاص لا يمكن أن يعيش متمسكاً بمبدئه
عاملاً حسب مقتضاه فى ظل نظام للحكم مؤسس على مبادئ وغايات غير المبادئ والغايات
التى يؤمن بها ويريد السير على منهاجها فإن رجلاً يؤمن بمبادئ الشيوعية إن أراد أن
يعيش فى بريطانيا أو ألمانيا متمسكاً بمبدئه سائراً فى حياته على البرنامج الذى
تقرره الشيوعية فلن يتمكن من ذلك أبد اً لأن النظم التى تقررها الرأسمالية أو
الناتسية تكون مهيمنة عليه قاهرة بما أوتيت من سلطان فلا يمكنه أن يتخلص من براثنها
أصلاً. وكذلك إذا أراد المسلم أن يقضى حياته مستظلاً بنظام للحكم مناقض لمبادئ
الإسلام الخالدة وبوده أن يبقى متمسكاً بمبادئ الإسلام سائراً وفق مقتضاه فى أعماله
اليومية فلن يتسنى له ذلك ولا يمكنه أن ينجح فى بغيته هذه أبداً لأن القوانين التى
يراها، باطلة والضرائب التى يعتقدها غرماً ونهباً لأموال الناس والقضايا التى
يحسبها جائرة عن الحق، وافتئاتاً على العدل، والنظم التى يعرف أنها مبعث الفساد فى
الأرض، ومناهج التعليم التى يجزم بوخامة عاقبتها وسوء نتائجها، ويرى فيها هلاكاً
للأمة، يجد كل هذه مهيمنة عليه ومسيطرة على بيئته وأهله من أثرها ونفوذها، فالذى
يؤمن بعقيدة ونظام -فرد اً كان أو جماعة- مضطر بطبيعة عقيدته وإيمانه بها أن يسعى
سعيه فى القضاء على نظم الحكم القائمة على فكرة غير فكرته، ويبذل الجهد المستطاع فى
إقامة نظام الحكم مستند إلى الفكرة التى يؤمن بها ويعتقد أن فيها سعادة للبشر لأنه
يتسنى له العمل بموجب عقيدته والسير على منهاجه إلا بهذا الطريق، وإذا رأيت رجلاً
لا يسعى وراء غايته أو يغفل عن هذا الواجب فاعلم أنه كاذب فى دعواه ولم يدخل
الإيمان فى قلبه وبهذا المعنى ورد فى التنزيل:
{عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين. لا يستأذنك
الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين.
إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم فى ريبهم
يترددون}[التوبة:43 - 45].
وأى شهادة أصدق؟ وأى حجة أنصع من شهادة القرآن الكريم وحجته؟ ففى هذه الآيات من
سورة براءة قد نص القرآن الكريم على أن الذى لا يلبى نداء الجهاد ولا يجاهد ولا
يجاهد بماله ونفسه فى سبيل إعلاء كلمة الله وإقامة الدين الذى ارتضاه لنفسه وتوطيد
نظام الحكم المبنى على قواعده فهو فى عداد الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر
وارتابت قلوبهم فهم فى ريبهم يترددون.
لعلك تبينت مما أسلفنا آنفاً أن غاية الجهاد فى الإسلام هى هدم بنيان النظم
المناقضة لمبادئه وإقامة حكومة مؤسسة على قواعد الإسلام فى مكانها واستبدالها بها
وهذه المهمة مهمة أحداث انقلاب إسلامى عام غير منحصرة فى قطر دون قطر بل مما يريده
الإسلام ويضعه نصب عينيه أن يحدث هذا الانقلاب الشامل فى جميع أنحاء المعمورة، هذه
غايته العليا ومقصده الأسمى الذى يطمح إليه ببصره، إلا أنه لا مندوحة للمسلمين أو
أعضاء الحزب الإسلامى عن الشروع فى مهمتهم بإحداث الانقلاب المنشود والسعى وراء
تغيير نظم الحكم فى بلادهم التى يسكنونها، أما غايتهم العليا وهدفهم الأسمى فهو
الانقلاب العالمى الشامل المحيط بجميع أنحاء الأرض، وذلك أن فكرة انقلابية لا تؤمن
بالقومية بل تدعو الناس جميعاً إلى سعادة البشر وفلاح الناس أجمعين لا يمكنها أصلاً
أن تضيق دائرة عملها فى نطاق محدود من أمة أو قطر، بل الحق أنها مضطرة بسجيتها
وجبلتها أن تجعل الانقلاب العالمى غايتها التى تضعها نصب عينها ولا تغفل عنها طرفة
عين، فإن الحق يأبى الحدود الجغرافية ولا يرضى أن ينحصر فى حدود ضيقة اخترعها علماء
الجغرافية واصطلحوا عليها ) .
- ومن أهداف الجهاد كذلك:
- الزود عن حياض الإسلام والدفع عن ذرارى المسلمين وحماية حرماتهم ومقدساتهم، ولن
يتحقق هذا إلا إذا كانت للمسلمين شوكة ترهب عدوهم، وإلا إذا كانت عند المسلمين
القوة التى يخشى بأسها الطامعون فيهم وقديماً قيل: " من لا يتذأب أكلته الذئاب "
ويقول الحق سبحانه وتعالى:
{وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين
يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا
من لدنك نصيراً الذين آمنوا يقاتلون فى سبيل الله والذين كفروا يقاتلون فى سبيل
الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشطان كان ضعيفاً}[النساء: 75 - 76].
- رد عدوان المعتدين على الإسلام والمسلمين من المشركين والكفار والمعاندين،
والحاقدين على الإسلام الذين يضمرون له ولأهله الشر ويحاولون القضاء عليه والخلاص
منه. وفى ذلك يقول الله تعالى:{وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن
الله لا يحب الحب المعتدين}[البقرة: 190].
ويقول الله تعالى:{ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم
بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين}[التوبة: 13].
وفى حديث قدسى يرويه رسول الله عن رب العزة سبحانه وتعالى: إِنَّمَا
بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا
يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي
أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا فَقُلْتُ رَبِّ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ
خُبْزَةً قَالَ اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ
وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ
وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ
- لتمكين دعوة الله أن تبلغ من يجب أن يبلغوا بها -وهم الناس جميعاً فى كل مكان
يمكن أن تصل إليه الدعوة، وفى كل زمان يعيش فيه المسلمون- دون عائق او اعتراض من
أحد يريد أ ن يحول بين الناس وبين الاستماع إلى دعوة الله ومنهجه.
- عرض الإسلام على المشركين والكافرين والظالمين الظانين بالله ظن السوء على
اعتبار أن دين الإسلام هو دين الحق الدين الخاتم الذى رضيه الله تعالى للبشر كلها
ديناً والذى لا يقبل بجواره شركاً ولا كفراً، لأنه دين الحق والعدل ودين العقل ودين
الحياة الإنسانية الكريمة والذين يرفضونه يرفضون الحق والعقل والحياة الإنسانية
الكريمة.
- تمكين دين الله وشريعته من أن تحكم الناس، وتسود سائر نظمهم ومناهجهم، وتوجه كل
أنواع النشاط فى حياتهم، وتصبح هى المنهج المتبع الملتزم الذى ينظم حياة الناس.
- إرهاب الكافرين وإخزائهم وإذلالهم وإيهان كيدهم وإغاظتهم وهذا هدف رئيسى من
أهداف الجهاد فى الله تعالى ذلك أنه لا أخطر على الإسلام وأهله من كيد الكافرين
وتدبيرهم فهم أشد الناس حرصاً على محو كلمة الإسلام وتنكيس رايته وهذا ما بينته
آيات القرآن:
{إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداءً ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو
تكفرون}[الممتحنة: 2].
وفى آية أخرى:{ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا}[البقرة:
217].
ويقول أيضاً:{كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاً ولا ذمة يرضونكم بأفواههم
وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون}[التوبة: 8].
لذلك كان إذلال هؤلاء هدف ينبغى أن يحرص عليه كل مسلم يقول الله تعالى:{قاتلوهم
يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم
ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم}[التوبة: 14].
وفى آية أخرى:{إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقى فى
قلوب الذين الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان. ذلك بأنهم شاقوا الله
ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب}[الأنفال: 12 - 13].
{فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدا الوثاق فإما منا بعد
وإما فداءً حتى تضع الحرب أوزارها}[محمد: 4].
- القضاء على النظم المعادية للحق الظالمة للإنسان، المنكرة لحق الإنسان فى حياة
كريمة، تلك النظم التى تشن الحروب على الآمنين فى أوطانهم لتستولى على خيرات
بلادهم، لأنها تملك قوة أكبر من قوتهم، أو تستعلى عليهم لما تزعمه من تميز جنس أو
لون، وهذا هو الجهاد فى سبيل الله لحرب الذين يقاتلون الناس الطاغوت أو الطواغيت،
قال الله تعالى:{الذين آمنوا يقاتلون فى سبيل الله والذين كفروا يقاتلون فى سبيل
الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً}[النساء: 76].
- والطاغوت اسم لكل مُتَعَدٍّ وكل معبود من دون الله، ولذلك سمى به الساحر والكاهن
والمارد من الجن والصارف عن طريق الخير - وذلك أن الإسلام منهج شامل متكامل يجب أن
يحل محل المناهج الجزئية العاجزة عن أن تحقق للناس سعادتهم فى الدنيا فضلاً عن
الآخرة.
- إن هذه النظم المعادية للحق وللإسلام والمسلمين يقوم عليها طواغيت تحدث القرآن
عن بعضهم على نحو ما نبينه فيما يلى:
- منهم من استبد بالناس وأراد من فرط استبداده أن يؤلهه الناس أو يعبدونه وذلك
الذى حكى عنه القرآن الكريم فى قوله تعالى:{وقال فرعون يأيها الملأ ما علمت لكم من
إله غيرى}[القصص: 38].
وفى قوله تعالى:{فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى}[النازعات: 23،24].
- ومنهم من غرتهم قوتهم وإمكاناتهم فنادوا فى الناس قائلين، كما حكى عنهم القرآن
الكريم فى قوله تعالى:{وقالوا من أشد منا قوة}[فصلت: 15].
- ومنهم من استبدوا بالناس بمكانة عزوها لأنفسهم، فزعموا أنهم سدنة الجنة، وغفروا
الذنوب لمن دفع إليهم ببعض المال، وأباحوا لأنفسهم الاستماع إلى أسرار الناس وما
قارفوا من ذنوب لم يطلع عليها أحد.
- ومنهم من استبدوا بالناس بملكهم وسلطانهم وتحكمهم فى الأرض وما فيها من خيرات
استولى عليها بقوة العائلة والعصبة، ممن سموا أنفسهم ملوكاً وأمراء وزعموا أن كل
شىء لهم، وأنهم الذين يمنحون الناس ما يشاءون ويمنعونهم كما يشاءون.
ومنهم من قاموا بانقلابات عسكرية إرهابية أو دموية واستولوا بقوة السلاح على
السلطة، واستبدوا بالناس وحكموهم، وتحكموا فيهم بالحديد والنار، والسجون
والمعتقلات، والتعذيب البدنى والحرمان من حقوق المواطنة والتصفيات الجسدية، وأنهار
الدماء التى سالت ممن صنفوهم أعداء الشعب، أى أعداءهم، لأنهم زعموا أنهم هم
الشعب!!!
ومنهم من استبدوا بالناس بوساطة نظم ومناهج زعموا أنها تحترم حقوق الإنسان وتشدقوا
بالديمقراطية والحرية والإخاء والمساواة، واتخذوا للحرية صنماً يعكفون عليه، وهم
أبعد الناس عن احترام حريات الآخرين أو إنسانيتهم، فكانت حرية لهم، لا لغيرهم من
الناس، فكانت نتيجة الأخذ بهذه النظم والمناهج مزيداً من الظلم، وهضم حقوق الإنسان،
والوزن بميزانين، والكيل على الناس بمكيالين، والعدوان على شعوب آمنة فى أوطانها،
وخطف حكام من أوطانهم ومحاكمتهم فى بلاد الحرية والديمقراطية، بل جردت الحملات لغزو
البلاد كأن البشرية لا تزال تعيش فى ظل نظام الغاب حيث يلتهم القوى الضعيف.
- ومنهم من قاموا بثورات أو انقلابات شيوعية أو اشتراكية ليسحقوا من سموهم "
البرجوازيين " فأغرقوا الناس فى بحار من الدماء، وأصلوا الناس جحيم النفى فى مجاهل
الأرض وقطعوا الأوصال وعذبوا وأرهبوا وأبادوا من اتهموهم بالباطل بأنهم
برجوازيون!!!
- ومنهم… ومنهم… مما لا نستطيع إحصاءه من أصناف الظالمين المستبدين المعادين
لحقوق الإنسانية وكرامته…
- وكل هؤلاء يمثلون قوى عدوانية على إنسانية الإنسان وكرامته التى كفلها له خالقه
سبحانه وتعالى! إذ قضى بتكريم بنى آدم وتفضيلهم على كثير ممن خلق:{ولقد كرمنا بنى
آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا
تفضيلاً}[الإسراء: 70].
ونستطيع أن نقف طويلاً أمام المعنى الشامل لقوله تعالى:{كرمنا بنى
آدم} إذ التكريم يتضمن احتراماً وتقديراً لكل حق من حقوقه كما يتضمن أن يوصل
للإنسان أى نفع لا يلحقه فيه غضاضة بل يكون كريماً أى شريفاً عالى المنزلة ونستطيع
أن نساند هذا المعنى لتكريم الإنسان بما جاء على لسان الرسول -صلى الله عليه وسلم-
فيما رواه ابن ماجه عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَيَقُولُ: مَا
أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحكِ مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ وَالَّذِي
نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ
حُرْمَةً مِنْكِ مَالِهِ وَدَمِهِ وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا *
وبعد: فهذا هو تكريم الإسلام للإنسان، وكل من اعتدى على هذه المكانة والكرامة
للإنسان، فقد شرع الله للمسلمين أن يجاهدوه حتى يعيدوا للإنسان كرامته، دون أن
يكرهوا أحداً على الدخول فى الإسلام حسبهم أن يتخلى بإرادته عن الشرك أو الكفر أو
الظلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الجهاد | السمات:الجهاد
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج































