الجهاد لا يعدله شىء حتى ولو كانت عمارة المسجد الحرام:
كتبهافرسان الاسلام ، في 19 أبريل 2007 الساعة: 15:45 م
الجهاد لا يعدله شىء حتى ولو كانت عمارة المسجد الحرام:
يقول الله تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم
الآخر وجاهد فى سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدى القوم الظالمين. الذين
آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم
الفائزون. يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها
أبداً إن الله عنده أجر عظيم}.
( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد فى
سبيل الله ) السقاية والعمارة مصدران لا يتصور تشبيههما بالأعيان فلا بد من تقدير
مضاف فى أحد الجانبين، والاستفهام للإنكار، والتقدير أجعلتم أصحاب سقاية الحاج
وعمارة المسجد الحرام أو أهلهما (كمن آمن ).
أو يكون التقدير: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، كعمل من آمن أو كإيمان
من آمن.
وقرأ ابن أبى وجرة السعدى وابن الزبير وسعيد ابن جبير: أجعلتم سقاة الحاج وعمرة
المسجد الحرام. جمع ساق وعامر. وعلى هذه القراءة لا يحتاج إلى تقدير محذوف.
والخطاب إما للمشركين، والمعنى: أن الله أنكر عليهم التسوية بين ما كان تعمله
الجاهلية من الأعمال التى هى فى صورتها صورة الخير وإن لم ينتفعوا بها، وبين إيمان
المؤمنين وجهادهم فى سبيل الله.
وقد كان المشركون يفتخرون بالسقاية والعمارة ويفضلونهما على عمل المسلمين. فأنكر
الله عليهم ذلك.
أو أن الخطاب لبعض المؤمنين المؤثرين للسقاية والعمارة والسعاية ونحوهما على
الهجرة والجهاد ونظائرهما، وهو الأنسب لسياق الآيات.
ثم صرح سبحانه بالمفاضلة بين الفريقين وتفاوتهم وعدم استوائهم، فقال: ( لا يستوون
عند الله ) أى لا تساوى تلك الطائفة الكافرة الساقية للحجيج العامرة للمسجد الحرام
هذه الطائفة المؤمنة بالله واليوم الآخر المجاهدة فى سبيله، ودل سبحانه بنفى
الاستواء على نفى الفضيلة التى يدعيها المشركون، أى إن أعمال الكفار إذا لم تبلغ
إلى أن تكون مساوية لأعمال المسلمين، فكيف تكون فاضلة عليها كما يزعمون.
هذا إذا كان المقصود بالخطاب المشركين المعاصرين لنزول هذه الآيات. ويكون قوله
تعالى ( والله لا يهدى القوم الظالمين ) تذييلاً للآية ، ومؤكداً لهذا المعنى أى:
والله لا يهدى المشركين الذين يسقون الحجيج ويعمرون المسجد الحرام، إذ لا يجدى ذلك
مع الإشراك.
أما إذا كان المقصود بالخطاب بعض المؤمنين، فإن الإنكار هنا واقع على ظنهم بأن
عمارة المسجد الحرام وسقاية الحجيج هى أفضل من الجهاد فى سبيل الله تعالى، فأنكر
الله عليهم ذلك ، وبين بأن الجهاد فى سبيل الله تعالى لا يعدله عمل حتى ولو كان هذا
العمل عمارة المسجد الحرام والقيام على شأن الحجيج.
وتكون جملة ( والله لا يهدى القوم الظالمين ) جملة معترضة بين جملة
( أجعلتم سقاية الحاج ) وجملة ( الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا.. )الخ.
والمقصود منها زيادة التنويه بشأن الإيمان، إعلاماً بأنه دليل إلى الخيرات وقائد
إليها.
فالذين آمنوا قد هداهم إيمانهم إلى فضيلة الجهاد، والذين كفروا لم ينفعهم ما كانوا
فيه من عمارة المسجد الحرام، وسقاية الحاج، فلم يهدهم الله إلى الخير.
ثم صرح سبحانه بالفريق الفاضل فقال: ( الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله
بأموالهم وأنفسهم ) أى الجامعون بين الإيمان والهجرة والجهاد بالأموال والأنفس (
أعظم درجة عند الله ) أعلى رتبة وأكثر كرامة وأحق بما لديه من الخير من تلك الطائفة
المشركة المفتخرة بأعمالها المحبطة الباطلة.
يقول صاحب الظلال: وأفعل التفضيل هنا فى قوله ( أعظم درجة ) ليس على وجهه، فهو
يعنى أن للآخرين درجة أقل، إنما هو التفضيل المطلق. فالآخرون “ حبطت أعمالهم وفى
النار هم خالدون ” فلا مفاضلة بينهم وبين المؤمنين المهاجرين المجاهدين فى درجة ولا
فى نعيم.
وفى قوله ( عند الله ) تشريف عظيم لهذه الجماعة المؤمنة.
(وأولئك هم الفائزون ) أى: المختصون بالفوز العظيم عند الله سبحانه وتعالى. هذا
وقد جاء فوزهم هذا مؤكداً بأكثر من أمر:
أولاً: أن هذا الفوز عند الله سبحانه وكفى به فوزاً عظيماً.
ثانياً: اسم الإشارة وما فيه من معنى البعد للدلالة على بعد منزلتهم وعلو مكانتهم
ورفعتهم.
ثالثاً: اسمية الجملة (( هم الفائزون )) وما فيها من الدلالة على ثبوت هذا الفوز
واستقراره وعدم تبدله بحال من الأحوال.
وفى نفس الوقت جاءت هذه الجملة معرفة الطرفين وما فى ذلك من الدلالة على الحصر
وكأن هؤلاء هم الفائزون دون سواهم من الناس.
ولكن لما كان هناك غيرهم فإن الحصر هنا حصر إضافى وليس حصراً حقيقياً للمبالغة فى
الثناء عليهم.
ثم فسرت الآيات هذا الفوز فقال سبحانه: ( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم
فيها نعيم مقيم ) أى يبشرهم المولى سبحانه على لسان نبيه; فى الدنيا برحمة
من عنده وبرضاه التام عنهم وبجنات لهم فيها نعيم لا ينفد ولا يزول أو يتبدل.
ومن تمام تنعهم أن هذا النعيم باق، لا يزول عنهم، ولا يتركونه فالحال كما وصفه
المولى: ( خالدين فيها أبداً ) أى ماكثين فى تلكم الجنات مخلدين فيها خلوداً
أبدياً.
وجملة ( إن الله عنده أجر عظيم ) تذييل وتنويه بشأن المؤمنين المهاجرين المجاهدين،
لأن مضمون هذه الجملة يعمّ ما قبلها وغيره، وفى هذا التذييل إفادة أن ما ذكر من
عظيم درجات المؤمنين المهاجرين المجاهدين هو بعض ما عند الله من الخيرات، فيحصل من
ذلك الترغيب فى الازدياد من الأعمال الصالحة ليزدادوا رفعة عند ربهم.
هذا وقد علق أبو حيان على هذه الآيات بقوله:
لما وصف الله المؤمنين بثلاث صفات: الإيمان، والهجرة، والجهاد بالنفس والمال،
قابلهم على ذلك بالتبشير بثلاث وبدأ بالرحمة فى مقابلة الإيمان لتوقفها عليه، وثنى
بالرضوان الذى هو نهاية الإحسان فى مقابلة الجهاد الذى فيه بذل الأنفس والأموال، ثم
ثلث بالجنات فى مقابلة الهجرة وترك الأوطان، إشارة إلى أنهم لما آثروا تركها بدلهم
الله داراً عظيمة دائمة وهى الجنات .
ولعل هذه الآيات هى التى حدت بعبد الله بن المبارك أن يصف العبادة والاعتكاف فى
بيت الله الحرام باللعب، مقارنة بالجهاد فى سبيل الله تعالى، وذلك فى رسالة بعث بها
إلى الفضيل بن عياض يقول فيها:
يا عابد الحرمـين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضـب
أو كان يتعب خيلـه فى باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحـن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا عـن مقـال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوى غبار خيل الله فى أنف امرئ ودخان نار تلهب
هـذا كتـاب الله ينطق بيننا ليس الشهـيد بمـيت لا يكذب
قال ابن المبارك هذا لمن انصرف إلى العبادة والمجاورة فى الحرم المكى. وكان الفضيل
يلقب بعابد الحرمين. وله شهرة بكثرة البكاء، ولذلك غمزه بذكر الدموع، وكأنه كان مثل
بعض المصلين، يتطيبون بدهن الورد وغيره اتباعاً لسنة الرسول; فغمزه بذكر
عبير الورد والمسك. فى حين كان للنبى ; ولورثته من العلماء المجاهدين عبير
غبار المعارك إضافة لعبير الورد والمسك.
فماذا نقول لمتزهد اليوم إلا كما قال ابن المبارك، ولئن انحنت ظهور بعض المتعبدين
اليوم من كثرة الصلاة، وجفت عروقهم من مواصلة الصوم، فإن دعاة الإسلام قد انحنت
ظهورهم بعد الفرائض والسنن من كثرة مجالس التداول فى أمور ومصالح المسلمين. وجفت
عروقهم من كثرة السعى والحركة فى أعمال الخير، وبذلوا دمائهم رخيصة فى سبيل الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الجهاد | السمات:الجهاد
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج































